حقوق تتسع… وواجبات تتراجع… وأخلاق تبحث عمن يحميها



مازالت الكلمة حائرة بين مفهوم لم يقصد ومقصود لم يفهم فاجعل كلمتك بسيطة حتى يفهم مقصدها وبين سخرية وجدية تأتى كلماتي كحقنة خفية في وريد مقصدها.

في البداية لم تكن الأزمة في الفكرة، بل في الطريقة التي تضخمت بها حتى تحولت الحقوق إلى عناوين كبرى تتفرع بلا نهاية، بينما تراجع في المقابل الحديث عن الواجبات حتى كاد يختفي من المشهد.

أصبح لكل فئة خطابها، ولكل قضية جمعياتها، ولكل مطلب شعاراته، لكن السؤال الجوهري بدأ يتراجع خطوة بعد خطوة كيف نعيش معًا؟ واستُبدل به سؤال آخر أكثر حدة من يأخذ أكثر؟

فحقوق الحيوان كانت في الأصل دعوة للرحمة والرفق، لكنها في بعض المشاهد

تحولت إلى واقع مربك حين غاب التوازن بين الرحمة والتنظيم فانتشرت الكلاب الضالة في بعض المناطق، وأصبح المشهد اليومي يحمل خوفًا عند الأطفال وقلقًا لدى الأسر، بين شارع يفترض فيه الأمان وواقع لا يعكسه دائمًا لم تكن المشكلة في الرحمة، بل في غياب الواجب المقابل لها فى التنظيم والرعاية، وضبط الفوضى بما يحفظ الإنسان والحيوان معًا.

ثم جاء ملف حقوق المرأة بوصفه ضرورة إنسانية وأخلاقية لرفع الظلم وتحقيق العدالة، لكنه في بعض السياقات انزلق من كونه مشروع إنصاف إلى مساحة صراع داخل البنية الأسرية فارتفعت معدلات الطلاق في بعض البيئات، وتراجعت فكرة “البيت الواحد” لصالح “الطرفين المتقابلين.

وأصبحت العلاقة أحيانًا أقرب إلى نزاع قانوني منها إلى شراكة إنسانية لم يكن الخلل في الحقوق نفسها، بل في غياب خطاب موازٍ يرسخ أن الأسرة مسؤولية مشتركة قبل أن تكون حقوقًا متبادلة…

أما حقوق الإنسان كعنوان شامل، فقد توسع حتى أصبح مظلة كبرى، لكن الإنسان ذاته في كثير من التفاصيل اليومية ظل خارج دائرة الضوء بلا مأوى، بلا حماية كافية، وبلا رعاية متكاملة في حالات كثيرة وهكذا صار الخطاب أكبر من الواقع، بينما ظل الواقع أقل من الطموح.

وفي وسط هذا التوسع في الخطابات الفئوية، تراجع سؤال بسيط لكنه حاسم أين الواجبات؟ أصبح كل طرف يعرف جيدًا ما يريد أن يأخذه، لكنه لا يتوقف كثيرًا عند ما يجب أن يقدمه. فالطالب يطالب بحقه في التعليم، لكن يغيب سؤال الاجتهاد والموظف يطالب بحقوقه، لكن يتراجع الحديث عن الإتقان. والزوج والزوجة يتبادلان المطالب، بينما يتراجع مفهوم المسؤولية المشتركة التي تحفظ البيت من التفكك النتيجة لم تكن انهيارًا مفاجئًا، بل تفككًا هادئًا متدرجًا، علاقات أكثر هشاشة، تربية أقل حضورًا، ومجتمع تتحول فيه القضايا من مشروع مشترك إلى ملفات منفصلة لكل فئة وحدها المشكلة لم تكن يومًا في الحقوق، فالحقوق ضرورة للعدل والكرامة، لكن الأزمة الحقيقية تبدأ حين تتحول الحقوق إلى لغة وحيدة، ويغيب معها ميزان الواجبات فالمجتمع لا يُبنى بما نأخذه فقط، بل بما نتحمله ونقدمه ونلتزم به ويبقى السؤال مفتوحًا هل نريد مجتمعًا يعرف أفراده ما لهم فقط؟ أم مجتمعًا يعرفون فيه ما لهم وما عليهم معًا؟

إن الحقوق لا تستقيم إلا بالواجبات، والحرية لا تستقيم إلا بالمسؤولية، والمجتمع لا ينهض بكثرة المطالب وحدها، بل بتوازن دقيق بين ما نأخذه وما نقدمه، وبين ما نطالب به وما نلتزم به نعود إلى خالق هذا الكون سبحانه وتعالى…
قال الله تعالى فى كتابه الكريم…
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ سورة الروم (41)
وكما قال النبي ﷺ:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»          ..رواه البخاري
إننا بحاجة اليوم، قبل الغد، إلى صرخة واعية تعيد الحقوق إلى نصابها الصحيح، وتذكرنا بأننا بشر خُلقنا لنتعاون لا لنتنازع، ولنبني لا لنهدم، ولنتحمل المسؤولية قبل أن نطالب بالمكاسب فربما لم تكن أزمتنا الحقيقية في نقص الحقوق، وإنما في غياب الواجبات، وفي تراجع الأخلاق، 
وفي نسيان الإنسان لإنسانيته.

       تحياتى ومن عندياتى،،،

*قرمشة:
* حقوق بلا واجبات تساوى مجتمع يتفكك وهو يظن أنه يتقدم
* حقوق الحيوان انتصرت… فاختلطت الرحمة بالفوضى
حقوق المرأة انتصرت… فاهتزت بعض البيوت باسم العدالة.  
* حقوق الإنسان انتصرت… لكن الإنسان نفسه تراجع إلى الخلف
الجميع يربح خطابه…
لكن المجتمع يخسر توازنه
* الحقوق وحدها لا تبني مجتمعًا
كما أن الواجبات وحدها لا تصنع عدلًا…
                   إلى اللقاء،،،




المصدر موقع الفجر


اكتشاف المزيد من صحيفة نهج الإخبارية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من صحيفة نهج الإخبارية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading